الإمكانات الكامنة في حُليّ أزرار الجلابة
مترجم من الإنجليزية.
منذ انطلاقة أنو، ظلّت التعاونية النسائية بخنيفرة واحدةً من أكثر البائعين مبيعًا على الموقع. ولا عجب في ذلك، فحُليّ التعاونية المصنوعة من أزرار الجلابة التقليدية تجمع على نحوٍ مثالي بين التصميم المغربي المعاصر والتقليدي. وعلى الرغم من صِغر حجمها، فإن أزرار الجلابة المستخدمة في صنع هذه الحُليّ قادرةٌ على إحداث أثرٍ بالغ في حياة كثيرٍ من النساء في أنحاء المغرب.
الجهد والتاريخ وراء زرٍّ واحد

مع أن الأصل الدقيق لزرّ الجلابة الشائع غير معروف، فإن كثيرين يُرجعونه إلى الجاليات اليهودية التي كانت تقطن فاس. وربما استُخدمت هذه الأزرار في الأصل أزرارًا فعلية للملابس، أما اليوم فتُستعمل قطعًا زخرفيةً للجلابة، وهي اللباس التقليدي المنتشر في كل أرجاء المغرب.
ومع استمرار الطلب على الجلابة، يستمر كذلك الطلب على أزرارها. وتُقبل نساءٌ كثيرات في مدنٍ مختلفة من المغرب، ولا سيما في صفرو وخنيفرة، على تلبية هذا الطلب بحماسٍ سعيًا إلى كسب أي دخلٍ ممكن.
إن العملية التي تمرّ بها النساء لصنع أزرار الجلابة زهيدة الأجر وتستغرق وقتًا طويلًا، وهذا أقل ما يُقال. فتبدأ النساء بالتوجّه إلى متجرٍ محلي لشراء الصّبرة، وهي خيطٌ مصنوع من ألياف نبات الصبّار (الأغاف) يُغزل ويُصبغ تقليديًا في فاس. وباستخدام إبرةٍ بسيطة، تنسج النساء الصّبرة في أزرارٍ بالغة الدقة والتعقيد. وقد يستغرق الزرّ الواحد من أربع دقائق إلى عشرٍ أو أكثر بحسب مهارة الناسجة. وما إن تُتمّ الناسجة نحو 400 زر -- وهو العدد التقريبي من الأزرار الذي يمكن إنتاجه من بكرة صبرة واحدة ثمنها 3 دراهم (0.36 دولار) -- حتى تحملها إلى التاجر المحلي وتبيع حزمة الأزرار بسعر 0.015 دولار للزرّ الواحد. (ملاحظة: جميع الأسعار والأوقات المذكورة تقريبية، إذ توجد أزرارٌ كثيرة تتفاوت في درجة تعقيدها وفي موادها).

والتوسّع في هذه الأرقام يمنحنا لمحةً عن دخل صانعة الأزرار المعتادة. فعلى سبيل المثال، تحتاج ناسجةٌ سريعة نسبيًا (5 دقائق للزرّ الواحد) إلى ما يزيد قليلًا على 33 ساعة لإتمام حزمةٍ من 400 زر. وحين تبيع الحزمة لتاجرٍ محلي، تجني ما مجموعه 6 دولارات. وإذا أدخلنا هذه الأرقام في حاسبة الأجر العادل على موقع fairwageguide.org، تبيّن أن أجر ناسجة الأزرار هذه يقلّ بنسبة 31% عن خط الفقر البالغ دولارين في اليوم، وبنسبة 88% عن الحدّ الأدنى للأجور في المغرب.
التحوّل البطيء من عاملاتٍ إلى مبدعات
في عام 2007، بدأت متطوعةٌ في هيئة السلام تُدعى ليندا زهافا العمل مع مجموعةٍ موهوبة من صانعات الأزرار في خنيفرة بحثًا عن سبيلٍ يُمكّنهن من كسب المزيد مقابل عملهن. وأخذت الناسجات وليندا يجرّبن، إلى أن أعدن توظيف أزرار الجلابة في صنع الحُليّ، اعتقادًا منهن بأن ذلك قد يتيح سعرًا أعلى بكثير لعمل الناسجات. والقول بأن تجربتهن نجحت فيه تهوينٌ شديد من شأنها؛ فمنذ تأسيس التعاونية، باعت النساء حُليًّا بعشرات آلاف الدولارات في الأسواق المحلية والدولية. بل إن نجاحهن ألهم قيام العديد من التعاونيات والجمعيات الأخرى المتخصصة في أزرار الجلابة في أنحاء المغرب.
غير أن التعاونية بدأت على مرّ السنين تصطدم بسقف إمكاناتها. فحتى عام 2012، كانت تعتمد اعتمادًا كبيرًا على متطوعي هيئة السلام المتعاقبين باستمرار لتسهيل الطلبيات الواردة من مجموعةٍ صغيرة من الوسطاء المحليين والدوليين. ولأن هؤلاء الوسطاء كانوا يحظون بوصولٍ شبه حصري إلى هذه الحُليّ الرائجة بفضل العلاقات التي نسجوها مع المتطوعين، فقد تمكّنوا من بيع منتجات الحرفيات لوسطاء آخرين بأسعارٍ تفوق السعر الأصلي للتعاونية بخمسة أضعاف.

وبعد أن رأت الحرفيات الأسعار المرتفعة التي يحصل عليها "شركاؤهن" مقابل عملهن، قرّرن رفع أسعارهن. لكنهن سرعان ما واجهن مقاومة؛ إذ أخبر الوسطاء، بمن فيهم منظماتٌ حاصلة على شهادة التجارة العادلة، التعاونيةَ بأن رفع الأسعار يُعدّ تصرفًا غير مهني وإخلالًا بالوفاء الذي أبدوه تجاهها. فضلًا عن ذلك، احتجّ الوسطاء بأن هامش ربحهم يُمكّنهم من المساعدة في تسويق المنتجات وإتاحة الوصول إلى أسواقٍ ما كان للنساء أن يبلغنها لولاهم. ولعدم توفّر أي وسيلةٍ أخرى لبيع منتجاتهن، لم تُغيّر التعاونيات أسعارها إلا تغييرًا طفيفًا. ونتيجةً لذلك، ظلّت الحرفيات يبعن قلائدهن العادية بسعر 15 دولارًا، في حين كان شركاؤهن يعيدون بيع المنتجات نفسها بسعر 69 دولارًا (شاملةً الشحن).
ولوضع هذه الأسعار في سياقها، تستغرق كل قلادةٍ ثمنها 15 دولارًا نحو 21 ساعة عمل من التعاونية لإتمامها. وبإدخال هذه الأرقام في حاسبة الأجر العادل (www.fairwageguide.org)، يتبيّن أن التعاونية تتقاضى أجرًا يقلّ بنسبة 59% عن الحدّ الأدنى للأجور في المغرب، وبنسبة 62% عن الأجر العادل الموصى به. ولنكن واضحين: إن القلائد التي ثمنها 15 دولارًا يُعاد بيعها بوصفها منتجاتٍ حاصلة على شهادة التجارة العادلة، وتُسوَّق بشعاراتٍ رنّانة مثل تمكين المرأة، في حين أن الحرفيات لا يتقاضين حتى الحدّ الأدنى للأجور في المغرب، فضلًا عن الأجر العادل.
التحوّل من مبدعاتٍ إلى مشاريع مستقلة
عندما بدأ حرفيو أنو الحديث مع عضوات التعاونية أول مرة، أعربن عن رغبتهن في ألّا يعتمدن بعد الآن على المتطوعين لبيع أعمالهن. بل أردن البيع باستقلالية، إن لم يكن من أجل أجرٍ أفضل، فعلى الأقل من أجل طريقةٍ أكثر كرامةً في بيع منتجاتهن. لكنهن لم يعرفن كيف السبيل إلى ذلك، إلى أن أتاحت لهن أنو هذه الفرصة أخيرًا.
بفضل منصة أنو، لم تعد إمكانات النساء محدودةً إلا بمقدار الجهد الذي يرغبن في استثماره في مشروعهن، لا بما يراه الوسطاء "كافيًا لسدّ رمقهن". فعلى مدى الأشهر الماضية، استثمرت التعاونية قدرًا هائلًا من الوقت في متجرها الإلكتروني، فأضافت تشكيلةً متنوعة من المنتجات، وعملت بلا كللٍ على تحسين صورها. بل إن صورهن تحسّنت إلى حدٍّ يرى معه كثيرون أنها أفضل من صور المنظمات المحترفة التي تعيد بيع منتجاتهن. واستنادًا إلى تزايد المبيعات التي حقّقنها على أنو، بدأ عملهن الدؤوب يؤتي ثماره بكل معنى الكلمة. وباختصار، بدأن يعملن بوصفهن مشروعًا مستقلًا.

واليوم، تبيع الناسجات قلادتهن العادية بسعر 19 دولارًا على أنو. وبإضافة تكاليف الشحن من المغرب، وعمولة أنو البالغة 10% (ورسومٍ أخرى مثل رسوم بطاقات الائتمان)، تجد المنتج معروضًا بسعر 36 دولارًا على أنو. وبإدخال هذه الأرقام في حاسبة الأجر العادل، يتبيّن أن أمام الحرفيات مزيدًا من العمل حتى يواصلن رفع أسعارهن. فلكي تتقاضى التعاونية أجرًا عادلًا، سيتعيّن عليها رفع أسعارها إلى 50 دولارًا على أنو، وهو سعرٌ يظلّ أرخص مما تبيع به منظمات التجارة العادلة أعمالهن حاليًا.
إعادة تعريف التجارة العادلة
إن كانت هذه الأرقام تُثبت شيئًا، فهو أن السبيل الوحيد لكي يتقاضى الحرفيون أجرًا عادلًا فعلًا هو أن يتولّوا العمل بأنفسهم. فمنظمات التجارة العادلة اليوم تدير سلسلة القيمة بأكملها باسم النوايا الحسنة، بينما يقتصر دور الحرفيين على تقديم الجهد اليدوي. وهكذا، لا يقتصر الأمر على تدنّي أجور الحرفيين، بل إنهم لا يكتسبون أي مهاراتٍ كذلك.
بفضل عضوات التعاونية النسائية بخنيفرة، غدا زرّ الجلابة مصدر ثروةٍ لكثيرٍ من النساء في المغرب بدلًا من أن يكون رمزًا لفقرهن. غير أن ثمة عملًا أكبر بكثير ينبغي إنجازه لضمان أن تنال النساء القيمة الكاملة لكل زرّ جلابةٍ يصنعنه. ومع أنو، يعود الأمر كليًّا إلى الحرفيات أنفسهن في تحقيق الإمكانات الكاملة لكل زرّ جلابة.
ادعم هذا العمل
أنو مملوكة للحرفيين أنفسهم ويديرونها بأنفسهم — والبرامج التي تتحدث عنها هذه القصص مموّلة بالكامل من مبيعات المتجر ومن داعمين مثلك. تبرعك يوسّع مباشرةً العمل الذي يقوده الحرفيون في جميع أنحاء المغرب.
تبرّع لدعم الحرفيين